محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

69

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

إنّ السيادة العليا التي تحدّد وتنظّم الذات الكبرى ( أو الهوية ) هي نفسها التي تحدد أيضا الآخر المختلف في المطلق ، أي أولئك الذين لا يحرمون ما حرم الله ورسوله ، كما تقول الآية التاسعة والعشرون من سورة التوبة . وهكذا نجد أن الأمر يتعلّق فعلا بالدمج الاجتماعي والثقافي ، بل ويمكن القول بالدمج السيميائي أو الدلالي إذا ما فكّرنا في العلامات الخارجية للطاعة أو التقديم الطاعة . وهذا الدمج يتمّ عن طريق الأحكام الأخلاقية - الفقهية والتصرّفات الطقسية - الشعائرية التي تحدّد مجال الحلال ومجال الحرام . وإنّ جميع ذرى الوجود قد أصبحت معنية بهذا الضبط التنظيمي . فهناك الطاهر / والنجس أو الرجس ، وهناك المقدس / والدنيوي ، أو المسجد الحرام / ومسجد ضرار ، أو أشهر حرم / عام ، وهناك المعنى / والقوة ، الغنى / والفقر ، الاستقامة / والضلالة ، العدالة / والظلم ، الصحّة / والخطأ ، الأرض / والسماوات . . إلخ . ولم تحدد أيّ من هذه الذرى بذاتها ولذاتها ، أي بطريقة مستقلّة . فكل ذروة من هذه الذرى تفترض وجود الأخريات مع المحافظة على المراتبية الهرمية المقدسة أو التي يتعذّر مسّها . وهذه المراتبية تتمثّل في : اللّه بكل صفاته ، ثم النبي المبلّغ أو المبشّر ، أو الوسيط ، أو القائد ، ثم المؤمنين المستفيدين من نعم اللّه والطائعين الشاكرين . وهذه هي ثلاثة مستويات من التجلّي ، وهي تتوافق مع ثلاثة أدوار متمايزة يقوم بها العامل - الذات - المرسل - المرسل إليه الأعظم . فهو يملأ بحضوره قدر المخلوقات وكل الخليقة ( إذا ما استخدمنا لغة دنيوية قلنا : يملأ العالم ، والبشر ، وتاريخهم ) . والكلّ يتلاقى في « دين الحقيقة المطلقة » ، أو « دين الحق » ، أو « الدين القويم » ، أي : الإسلام . وهو - أي الإسلام - مرتبط بنفس نظام ظلال المعاني المتولّدة عن التوبة « * » . وبهذا المعنى ، فإن الإسلام يمثّل آخر نسخة عن الدين المقبول من قبل اللّه ، أو الذي رضي به اللّه للبشر ، كل البشر . إن الفقرة السابقة ليست كافية . لما ذا ؟ لأننا إذ نستخدم مباشرة مفردات المعجم القرآني ، فإننا نتخلّى عن اللّغة الواصفة التفكيكية لعلم العلامات السيميائية لكي نعيد إدخال

--> - عقيل ، كما يذكر أركون . فقد كان عقلانيا قريبا من المعتزلة والمتصوّفة قبل أن يعتنق المذهب الحنبلي تحت الضغط والتخويف . وقد اضطر لإعلان التوبة والتراجع عن كتاباته السابقة وأفكاره التي اعتبرت منحرفة من قبل الحنابلة الذين كانوا أقوياء جدا في بغداد آنذاك . عاش في الفترة السلجوقية بين عامي 1040 و 1119 م . * المقصود بظلال المعاني Connotations المعاني الحافّة التي تحيط بكلمة « التوبة » ، أي جميع القيم المرتبطة بها ، والتي كانت سورة التوبة قد فصّلتها ووضّحتها طبقا للآية التالية : التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( الآية 112 ) . نلاحظ أن أركون يصرّ على استخدام مصطلحات ألسنية وليس لاهوتية لوصف كيفية تولّد المعنى في النصّ القرآني .